الشيخ جعفر الحائري

22

نهج البلاغة الثاني

انْشآئِها ، وَلا اعانَة مُعيدٍ عَلىَ ابْتِداعِها ، ابْتَدَعَها بِلُطْفِ قدُرْتَهِِ ، خاضِعَةً لمِشَيئتَهِِ ، مُسْتَحْدِثَةً لأِمَرْهِِ ، فَهُوَ الْواحِدُ بِغَيْرِ حَدٍّ وَلا زَوالٍ ، وَالدّائِمُ بِغَيْرِ امَدٍ وَلا نَفادٍ ، لَمْ يَزَلْ كَذلِكَ وَلا يَزالُ ، لا تغُيَرِّهُُ الْأَزْمِنَةُ ، وَلا تُحيطُ بِهِ الْاَمْكِنَةُ ، وَلا تَبْلُغُ مقَامهَُ الْأَلْسِنَةُ ، وَلا ياَخْذُهُُ نَوْمٌ وَلا سِنَةٌ ، لَمْ ترَهَُ الْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عنَهُْ برِؤُيْتَهِِ ، وَلا تَهْجُمُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ فَتَتَوهَّمَ كنُهَْ صفِتَهِِ ، وَلَمْ تَدْرِ كَيْفَ هُوَ الّا بِما اخْبَرَ عَنْ نفَسْهِِ ابْتَدَعَ الْاَشْيآءَ بِلا تَفْكيرٍ ، وَخَلَقَها بِلا ظَهيرٍ ، وَفَطَرَها بقِدُرْتَهِِ ، وَصَيَّرَها بمِشَيئتَهِِ ، وَصاغَ اشْباحَها ، وَبَرَأَ ازْواجَها . اشْهَدُ انَّ الْأَعْيُنَ لا تُدْرِكُكَ ، وَالْأَوْهامَ لا تُلْحِقُكَ ، وَالْعُقُولَ لا تَصِفُكَ ، وَالْمَكانَ لا يَسَعُكَ ، وَكَيْفَ يَسَعُ الْمَكانُ مَنْ خلَقَهَُ وَكانَ قبَلْهَُ ، امْ كَيْفَ تدُرْكِهُُ الْاَوْهامُ وَلا نِهايَةَ لَهُ وَلا غايَةَ ، وَكَيْفَ لَهُ تَكُونُ نِهايَةٌ وَغايَةٌ ، وَهُوَ الَّذىِ ابْتَدَأَ الْغاياتِ وَالنِّهاياتِ . فَسُبْحانَكَ مَلَأْتَ كُلَّ شىَ ْءٍ ، وَبايَنْتَ كُلَّ شىَ ْءٍ ، وَلا يَفْقِدُكَ شىَ ْءٌ ، كُلُّ مُدْرَكٍ مِنْ خَلْقِكَ ، وَكُلُّ مُحَدَّدٍ مِنْ صُنْعِكَ . ومنها في تنقّل النّبىّ صلّى اللّه عليه وآله وتقلبّه في ظهور ابائه : نقَلَتْهَُ إلى ابْرهيمَ فَاَسْعَدْتَ بِذلِكَ جدَهَُّ ، وَاعْظَمْتَ بِهِ مجَدْهَُ ، وَقدَسَّتْهَُ فىِ الْأَصْفِيآءِ ، وَسمَيَّتْهَُ دُونَ رُسُلِكَ خَليلًا ، ثُمَّ خَصَصْتَ بِهِ اسماعيلَ دُونَ وُلْدِ ابْراهيمَ ، فَاَنْطَقْتَ لسِانهَُ بِالْعَرَبِيَّةِ الَّتى فَضَّلْتَها عَلى